ابن عجيبة

249

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَ تَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ أي : تتركهم يخالفون دينك لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ أي : يخربوا ملكك بتغيير دينك ودعوتهم إلى مخالفتك ، وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ أي : يترك موسى دينك ومعبوداتك التي تعبد ، قيل : كان يعبد الكواكب ، وقيل : صنع لقومه أصناما وأمرهم أن يعبدوها تقربا إليه . ولذلك قال : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى « 1 » . قال فرعون في جوابهم : سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ أي : ذكورهم وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ أي : بناتهم ، كما كنا نفعل من قبل ، ليعلم أنّا على ما كنا عليه من القهر والغلبة ، ولا يتوهم أنه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكنا على يديه . وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ غالبون ، وهم مقهورون تحت أيدينا . قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ، قاله تسكينا لهم حين سمعوا قول فرعون وما هددهم به ، ثم قال لهم : إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وسيورثها لكم إن صبرتم وآمنتم . وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ، فتكون العاقبة لكم إن اتقيتم ، وهو وعد لهم بالنصر والعز ، وتذكير بما وعدهم من إهلاك القبط وتوريثهم ديارهم وملكهم . قالُوا أي : بنو إسرائيل : أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا بقتل الأبناء ، وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا بإعادته ، فلم يرتفع عنا الذل بمجيئك ، قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ ، تصريحا بما كنّى عنه أولا ، لما رأى أنهم لم يتسلوا بذلك ، ولعله أتى بحرف الطمع ، أي : الترجي ؛ لعدم جزمه بأنهم المستخلفون بأعيانهم ، أو أولادهم ، وقد روى أن مصر إنما فتح لهم في زمن داود عليه السّلام . قاله البيضاوي . فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ أي : فإذا استخلفكم يرى ما تعملون من شكر أو كفران ، أو طاعة أو عصيان ، فيجازيكم على حسب ما يوجد منكم من كفر أو إحسان . الإشارة : ما وقع للأنبياء مع قومهم وقع مثله لأشياخ هذه الأمة وفقرائها مع أهل زمانهم ، ولما كثرت الأحوال من الفقر أو خرق العوائد ، وظهروا بتخريب ظواهرهم ، وقعت بهم الشكاية إلى السلطان ، وقالوا له : هؤلاء يخربون ملكك ، فآل على نفسه إن مكنه اللّه منهم لا يترك منهم أحدا ، فكفى اللّه بأسه ، فاستعانوا بالله وصبروا ، واشتغلوا بذكر اللّه ، وغابوا عمن سواه ، فكانت العاقبة للمتقين . ثم ذكر ابتلاءه لقوم فرعون ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 130 إلى 131 ] وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 130 ) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 131 )

--> ( 1 ) كما جاء في الآية 24 من سورة النازعات .